جرح لا يزال مفتوحاً.. ثلاثة أعوام على زلزال 6 فبراير في تركيا
جرح لا يزال مفتوحاً.. ثلاثة أعوام على زلزال 6 فبراير في تركيا
هزّ زلزالان عنيفان تركيا فجر السادس من فبراير 2023، عند الساعة الرابعة صباحاً، عندما ضربت هزتان بقوة 7.7 و7.6 درجات مركزهما ولاية مرعش، لتتحول لحظات النوم إلى كابوس جماعي.
ووفق الأرقام الرسمية، فقد أكثر من 50 ألف شخص حياتهم، وأصيب مئات الآلاف، في حين تُرك ملايين السكان في 11 مدينة بلا مأوى، وسط دمار غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث، بحسب ما ذكرت وكالة "JINHA"، اليوم الجمعة.
تجاوزت المأساة حدود الكارثة الطبيعية، إذ سرعان ما كُشف عن سلسلة من الإهمالات التي ضاعفت عدد الضحايا: تأخر فرق الإنقاذ، غياب التنسيق، وانهيار مبانٍ حديثة كان يُفترض أن تكون مقاومة للزلازل.
وباتت صور الأبنية المنهارة التي شُيّدت دون رقابة حقيقية، شاهداً دائماً على فشل مؤسساتي في إدارة المخاطر المعروفة سلفاً في بلد يقع على خطوط زلزالية نشطة.
ثلاث سنوات بعد الزلزال
مرّت ثلاث سنوات على الكارثة دون أن تُطوى صفحاتها، إذ لا يزال آلاف المتضررين يعيشون في غرف مسبقة الصنع (كرفانات)، في حين تستمر عمليات انتشال جثامين من تحت الأنقاض في بعض المناطق.
وفي الوقت نفسه تواصل عائلات الضحايا رحلة طويلة وشاقة في البحث عن العدالة، وسط شعور عام بأن المحاسبة غائبة، وأن المسؤولين الحقيقيين لم يُسألوا عمّا جرى.
كشف الزلزال عن أزمة بنيوية أعمق تتعلق بغياب الرقابة والمساءلة، وبمنظومة سمحت بتحويل مدن كاملة إلى ما وصفه السكان بـ”بيوت من ورق”.
وهكذا تحوّل السادس من شباط من تاريخ كارثي إلى جرح مفتوح في الذاكرة الجماعية، يتجدد مع كل جلسة محكمة مؤجلة، وكل ملف يُقفل دون إنصاف.
قضية فندق كِرجوال
برزت قضية فندق كِرجوال في مدينة ملاطية بوصفها إحدى أكثر القضايا رمزية، بعد انهياره خلال ثوانٍ ومقتل 21 شخصاً داخله، بينهم لاعبون من نادي ملاطية الرياضي. وبين الضحايا كان لاعب كرة الطائرة محمد آغيرباش (27 عاماً) الذي كان يستعد للزواج.
واصلت والدته، زليخة آغيرباش، المطالبة بالعدالة، معتبرة أن ما حدث لا يمكن اختزاله في “إهمال متعمد”، بل هو “جريمة جماعية” كان يمكن تفاديها.
وبناءً على شكاوى الأهالي، أُوقف مالك الفندق الذي كان يشغل منصب نائب رئيس بلدية ملاطية آنذاك قبل الإفراج عنه بعد ثلاثة أشهر، في حين فُتحت دعاوى بحق مهندسين وموظفين عموميين.
مدينة مشلولة بلا شوارع
روت زليخة آغيرباش تفاصيل رحلتها المؤلمة، مؤكدة أن غياب الدولة كان واضحاً منذ الساعات الأولى.. فالمطارات لم تعمل، والرحلات أُلغيت، والطرق كانت شبه مغلقة.
وعند وصولها إلى ملاطية، لم تجد فرق إنقاذ رسمية، بل مدينة مشلولة بلا شوارع واضحة ولا توجيه.
وصفت لحظة رؤية الفندق المنهار انهياراً تاماً فقالت إن المبنى المؤلف من ثمانية طوابق “غاص في الأرض”، وإن الأمل في نجاة ابنها تبخر عند رؤية الركام.
وتساءلت عن غياب الرقابة السنوية التي كان يجب أن يخضع لها الفندق، معتبرة أن المسؤولية لا تقع على البناء فقط، بل على المؤسسات التي تجاهلت واجبها.
عدالة غائبة ونضال
شدّدت زليخة آغيرباش على أن نضالها لا يخص ابنها وحده، بل يهدف إلى منع تكرار المأساة مع عائلات أخرى. وأكدت أن تقارير الخبراء شابها تلاعب، وأن نفوذ المتهمين ما زال مؤثراً في مسار المحاكمات.
وأضافت بمرارة: “أحياناً أشعر أننا نحن المتهمون وهم أصحاب الحق”.
اختتمت حديثها بتأكيد أن ما جرى لم يكن قدراً، بل نتيجة مباشرة لإهمال مؤسساتي، متعهدة بمواصلة النضال ما دامت على قيد الحياة.
وبين ركام المدن المنهارة وملفات المحاكم المفتوحة، يبقى زلزال السادس من شباط سؤالاً معلّقاً عن معنى العدالة، ومسؤولية الدولة، وقيمة حياة الإنسان.











